عمر فروخ
193
تاريخ الأدب العربي
ألا ليت الشباب يعود يوما * فأخبره بما فعل المشيب ! - وقال في التزهيد في الدنيا : لدوا للموت وابنوا للخراب ، * فكلّكم يصير إلى تباب « 1 » . لمن نبني ؟ ونحن إلى تراب * نصير ، كما خلقنا من تراب . ألا يا موت ، لم أر منك بدا . * أتيت وما تحيف وما تحابي « 2 » . كأنّك قد هجمت على مشيبي * كما هجم المشيب على الشباب . - وقال يخاطب سلم بن عمرو المعروف بسلم الخاسر ، قيل ورث سلم عن أبيه مصحفا قديما فرهنه عند خمّار : لقد أيقنت أني غير باق ، * ولكني أراني لا أبالي . سأقنع ما بقيت بقوت يوم * ولا أبغي مكاثرة بمال « 3 » . تعالى اللّه ، يا سلم بن عمرو ، * أذلّ الحرص أعناق الرجال « 4 » . هب الدنيا تساق إليك عفوا ، * أليس مصير ذاك إلى الزوال ؟ خبرت الناس قرنا بعد قرن * فلم أر غير ختّال وقال « 5 » . وذقت مرارة الأشياء طرا * فما طعم أمرّ من السؤال . - من « الأرجوزة ذات الأمثال » « 6 » : حسبك مما تبتغيه القوت ؛ * ما أكثر القوت لمن يموت . ان كان لا يغنيك ما يكفيكا * فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا . علمت ، يا مجاشع بن مسعده ، * أن الشباب والفراغ والجده « 7 » مفسدة للمرء أيّ مفسده !
--> ( 1 ) التباب : الهلاك . ( 2 ) يحيف : يظلم . يحابي : يصانع ، يمالئ شخصا على آخر . ( 3 ) المكاثرة : مباهاة الآخرين بكثرة ( المال أو الأولاد الخ ) . ( 4 ) الحرص : الشره إلى أعراض الدنيا وشدة التمسك بها . ( 5 ) الختال : الذي ينتهز الفرصة ليغدر بغيره ، ويسلب منه شيئا . قال : مبغض . ( 6 ) قيل كانت هذه الأرجوزة أربعة آلاف بيت ( غ 4 : 36 ) لم يصلنا منها إلا أبيات قليلة ؛ ثم استطاع الدكتور شكري فيصل أن يجمع منها نحو ثلاثمائة وعشرين بيتا ( أبو العتاهية : أشعاره وأخباره ، ص 444 - 465 ) . ( 7 ) مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة ( ت 217 ه ؛ راجع تحت ) ، وقد كان شابا جريئا قليل المبالاة بالعواقب . الفراغ : اتساع الوقت من غير عمل مفيد . الجدة : الغنى وكثرة المال .